“سياسة التهام”.. كتاب أكاديمي بالنمسا يفصّل مراحل تغلغل الإخوان المسلمين في أوروبا بدعم قطري تركي كويتي
النمسا ميـديـا – فيينا:
في دراسة تتسم بالهدوء، الدقة، والصرامة الأكاديمية، يتناول الباحثون Nina Scholz و Heiko Heinisch و Gustav E. Gustenau أحد أكثر القضايا المعاصرة سخونة وإثارة للجدل، وهي تغلغل وتوسع الإسلام السياسي في المجتمعات الغربية. ويركز المؤلفون بشكل محدد ودقيق على ما أسموه بـ “الجهاد الحضاري” (‘Civilization Jihad’) الذي تقوده جماعة الإخوان المسلمين، حيث وضعوا له وصفاً لا لبس فيه منذ عنوان الكتاب باعتباره “تهديداً هجيناً لأوروبا”.
ولا يستهدف هذا الكتاب، بحسب طبيعته، تحقيق أعلى مبيعات تجارية، بل يعرّف نفسه كدراسة بحثية معمقة ومستفيضة حول هذا الملف. وتعتبر جماعة الإخوان المسلمين (MB)، التي تأسست في عام 1928 كأقدم وأكثر المنظمات الإسلامية نفوذاً، في نظر المؤلفين “رأس الحربة للإسلام السياسي”، وهو ما يجعلها جديرة برصد وانتباه ويقظة استثنائية؛ وهو أمر ليس باليسير نظراً لأن الجماعة يصعب تعقبها أو الإمساك بهيكليتها بسب شبكتها المعقدة القائمة على المنظمات الأمامية والفرعية الموازية، إلى جانب حركتها الجماهيرية الواسعة المكونة من المتعاطفين.
مشروع بعيد المدى للهيمنة و11 مجالاً للعمل الأيديولوجي والسياسي
ويؤكد الباحثون في دراستهم أن جوهر تحركات الجماعة يكمن في “مشروع طويل الأجل مصمم لإحداث تحول سياسي، أيديولوجي، ثقافي، وديني شامل في الدول والمجتمعات الديمقراطية”، أو كما وصفوه في موضع آخر من الكتاب بأنه “مشروع مشحون بالنزعة الخلاصية الرسالية، وبلغ ذروته في يوتوبيا الهيمنة الإسلامية العالمية”.
ولأجل تنفيذ وتحقيق هذا المشروع على أرض الواقع، حددت Nina Scholz وزملائها 11 مجالاً من مجالات العمل والتحرك التي تسعى جماعة الإخوان المسلمين من خلالها وبعبرها إلى تطبيق مخططها، وتمتد هذه المجالات لتشمل: “الثقافة/الحضارة والأيديولوجيا”، “الدولة والمؤسسات الحكومية”، “الاتصالات”، “الاقتصاد”، وصولاً إلى استهداف ومواجهة “خصوم الإسلام السياسي”، وحتى استخدام “وسائل إدارة الصراع”.
مراحل المشروع الخمس: من الإعداد وزعزعة الاستقرار إلى المواجهة والاستيلاء على السلطة
وبناءً على مجالات العمل المذكورة، يستعرض الكتاب بالتفصيل خمس مراحل متتالية يتألف منها مشروع جماعة الإخوان المسلمين، وهي: مرحلة “الإعداد” (والتي تنقسم بدورها إلى مرحلتين)، ثم مرحلة “زعزعة الاستقرار”، تليها مرحلة “المواجهة”، وأخيراً مرحلة “الاستيلاء على السلطة”. ويرسم الكتاب خطوطاً عريضة تشرح كيف تقوم الجماعة بالعمل على المجالات الـ11 سالفة الذكر خلال كل مرحلة من هذه المراحل؛ وما الذي تعنيه – على سبيل المثال – مرحلة “زعزعة الاستقرار” بالنسبة لقطاعات حيوية مثل الاقتصاد أو الاتصالات.
ومع ذلك، يوضح المؤلفون بشكل قاطع أنه بالنسبة للمرحلتين الرابحة (المواجهة) والخامسة (الاستيلاء على السلطة)، فإنه “لا توجد حتى الآن خطط ملموسة معروفة لجماعة الإخوان المسلمين تخص أوروبا”؛ مستدركين في الوقت ذاته بأن “المراحل الثلاث الأولى من الاستراتيجية، وسلوك الجماعة وتحركاتها في الدول المسلمة، والهدف الأعلى المتمثل في إقامة نظام عالمي يهيمن عليه الإسلام، كلها مؤشرات وخلفيات تفرض بقوة خيارات العمل المستقبلية هذه”. إن هذه التفاصيل والتحليلات تقدم قراءة تبعث على القلق البالغ والاضطراب، مما يجعله كتاباً يوصى به بشدة كـ (قراءة إلزامية) للمسؤولين السياسيين وصناع القرار.
المشهد الأمن النمساوي عام 2025: اختراقات ومخاطر تحيط بالجيش والدولة
وفي مراجعة تحليلية موسعة وصحفية نشرها الكاتب Daniel Bischof عبر صحيفة Die Presse النمساوية إلكترونياً وفي نسختها المطبوعة، أشار إلى أن جماعة الإخوان المسلمين عادت لتكون محط تركيز مكثف من جانب السياسيين والخبراء الأمنيين في النمسا. ويوضح مقال الصحيفة أن الكتاب الجديد يحلل استراتيجيات وقوة التنظيم، لا سيما وأن أعضاء الجماعة نادراً ما يكشفون عن هوياتهم وانتماءاتهم علناً للجمهور.
ووفقاً لما ورد في تقرير هيئة حماية الدستور (الاستخبارات الداخلية) لعام 2025، فإن الأخوية تنشط بوضوح في النمسا، حيث تُصنف بأنها “واحدة من أهم حركات الإسلام السياسي القانوني”. وتسعى الجماعة عبر طرق ووسائل قانونية ومسؤولة في الغالب إلى “اكتساب النفوذ داخل الجالية المسلمة في النمسا وكذلك داخل المؤسسات السياسية”.
وفي تطور لافت ضِمن هذه المعطيات المتداخلة، شهد عام 2025 تفكيك واكتشاف “عميل” يُشتبه في انتمائه لجماعة الإخوان المسلمين داخل جهاز أمن الدولة النمساوي. كما نقلت الصحيفة عن أوساط مطلعة ومطّلعة أن القوات المسلحة الفيدرالية النمساوية Bundesheer تضع في حساباتها بدقة المخاطر الأمنية التي قد تنجم عن تسلل أو زرع أشخاص داخل صفوف الجيش، حيث كان التطرف ذو الدوافع الدينية والإسلام السياسي محوراً رئيسياً ركز عليه التقرير الأمني الوطني الشامل الأخير لتقييم التهديدات.
شبكات التمويل الخارجي والتحذير من “لبننة” الفضاءات الحضرية في أوروبا
وفي وسط هذه التطورات المعقدة يبرز هذا الكتاب، حيث يرى المؤلفون أن الخطر الذي تشكله جماعة الإخوان المسلمين على أوروبا ليس ذو طبيعة إرهابية أو عسكرية، بل إن المنظمة تمثل تهديداً أيديولوجياً وثقافياً حقيقياً للديمقراطية وسيادة القانون؛ إذ إنها “تفرض على المجتمعات التي تنشط فيها صراعاً ثقافياً وقيمياً، أي حرباً ثقافية بالمعنى الحرفي”. وكمشروع جيل طويل الأمد، تهدف الجماعة إلى تحويل الأنظمة الديمقراطية وتغيير بنيتها من الداخل باستخدام الوسائل والأدوات القانونية.
ويستعرض الكتاب الجذور التاريخية، مبيناً أنه بعد تعرض أعضاء الجماعة للقمع الممنهج والملاحقات الحكومية في مصر، فروا إلى عدة وجهات من بينها أوروبا، وكانت النمسا إحدى المحطات الاستقطابية لهم. وعلى مدى العقود التالية، تمكنوا من تشييد شبكة واسعة من المنظمات والمؤسسات؛ واليوم، يعزو الكتاب نحو 200 منظمة في أوروبا إلى فلك وجماعة الإخوان المسلمين، حيث تتلقى في كثير من الأحيان دعماً وتمويلاً من قطر والكويت، بالإضافة إلى تركيا.
وباستخدام هذه المنظمات، تحاول المجموعة تنصيب نفسها على رأس “الإسلام المنظم” في القارة، والظهور بمظهر الممثل الشرعي الوحيد للمسلمين. وتؤدي هذه التحركات إلى دفع وتيرة النزعات الانعزالية والاقصائية، بالتوازي مع التسلل واختراق مفاصل الدولة. ويحذر الكتاب من أن هذا المسار يقود في النهاية إلى “لبننة” (Libanonisierung) تدريجية للمساحات الحضرية والمدن، والمقصود بها هو “تفتيت المشهد المدني وتحويله إلى مجتمعات فرعية متنافسة ومتنافرة على الصعيد القيمي والمعياري”. ويخلص الكتاب إلى نتيجة حتمية مفادها أن مواجهة هذه الحرب الثقافية للإخوان المسلمين تتطلب بالضرورة صياغة نموذج ديمقراطي مضاد، يتأسس على “رؤية واضحة وجلية لما تدافع عنه الديمقراطيات الليبرالية والمجتمعات المنفتحة، وتحديد المرتكزات والقيم الأساسية التي تبنى عليها”.



